موتى احياهم عيسى عليه السلام

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 15 فبراير 2016 - 5:10 مساءً
موتى احياهم عيسى عليه السلام
يقول القرآن الكريم إن عيسى أُعطيَ القدرة على إحياء الموتى “بإذن الله”، ونجد في إنتاج أهل التاريخ والقصص روايات عدة تتحدّث عن موتى أحياهم ابن مريم، يجد بعضها مصدره في الأناجيل الأربعة، كقصة إحياء ألعازر، أما البعض الآخر، فلا نجد له مقابلاً في الكتب التي تدخل ضمن قانون الكتاب المقدس، كقصة إحياء سام بن نوح، وقصة إحياء النبي عزيز.
 
في “عرائس المجالس”، تحدّث أبو إسحاق النيسابوري عن أربع أنفس أحياها عيسى بإذن من ربّه، يبدأ أشهر كتاب قصص الأنبياء بألعازر، وهو بحسب الراوي صديق ابن مريم، وقد ألمّ به مرض جعله يحتضر، فأرسلت أخته إلى نبي الله تخبره: “إنّ أخاك ألعازر يموت”. وكان بين عيسى ومنزل صديقه ثلاثة أيام، ولما أدركه مع أصحابه وجده قد توفي، فقال لأخته: “انطلقي بنا إلى قبره”. وقادته الأخت إلى قبر صديقه، وكان هذا القبر قائماً في صخرة مطبقة، فقال عيسى: “اللهمّ ربّ السموات السبع، إنك أرسلتني إلى بني إسرائيل أدعوهم إلى دينك، وأخبرتني أني أحيي الموتى بإذنك، فأحيِ العازر”، وقام ألعازر من قبره وأوداجه تقطر، وعاش وأنجب.
 
الحالة الثانية التي يذكرها الثعلبي هي ابن العجوز. “مُرّ به ميتا على عيسى عليه السلام، وهو يُحمل على سرير”، فدعا عيسى الله تعالى، فجلس الميت على سريره، “ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، وحمل السرير على عنقه، ورجع إلى أهله، فبقي وولد له”.
 
أما الحالة الثالثة فهي بحسب النيسابوري ابنة العازر، وصل إليها عيسى فقيل له: “أتحييها وقد ماتت بالأمس؟ فدعا الله عزّ وجلّ فعاشت وبقيت وولدت”.
 
ويختم الثعلبي حديثه عن إحياء عيسى الموتى بذكر قصة سام بن نوح، وقد أحياه روح الله بعدما دعا باسم الله الأعظم، فخرج الميت من قبره، وقد شاب نصف رأسه ظنا منه أن القيامة قد قامت، فقال له عيسى إن ساعتها لم تحلّ بعد، وإنه قام لأنه دعاه باسم الله الأعظم، ثم قال له: مت. فقال سام بن نوح: “بشرط أن يعيذني الله من سكرات الموت”، فدعا عيسى الله سبحانه، واستجاب الخالق الدعاء.
 
استعاد الرواة قصص الأنفس الأربع التي أحياها عيسى، وصاغوها بألفاظ مختلفة، وتختلف هذه الروايات في بعض التفاصيل بين صيغة وأخرى، كما أنها تأتي طوراً بإيجاز شديد، وطوراً من خلال سرد طويل تكثر فيه الحوارات والأقاويل والاستطرادات التي لا تخلو من المعاني والدلالات.
 
وتبدو القصص الثلاث الأولى قريبة من ثلاث أعاجيب جاء ذكرها في الإنجيل، إلا أنها تأتي في المصادر الإسلامية في قالب خاص يؤكد الرواة من خلاله أن عيسى ما هو إلا نبي يحقق المعجزات ويحيي الموتى “بإذن الله”، كما جاء في سورة آل عمران (49) وسورة المائدة (110). تماثل قصة إحياء العازر إلى حد كبير رواية إنجيل يوحنا (11)، حيث يوقظ يسوع صديقه الراقد بأعلى صوته قائلاً: “يا لَعازر، هلمّ فاخرج”. وتأتي هذه الصيحة بعد دعاء يتلوه المسيح رافعاً عينيه إلى السماء: “شكراً لك يا أبت على أنك استجبت لي، وقد علمت أنك تستجيب لي دائماً أبداً، ولكني قلت هذا من أجل الجمع المحيط بي لكي يؤمنوا أنك أنت أرسلتني”.
 
وتقارب قصة إحياء ابن العجوز قصة إحياء ابن أرملة نائين في إنجيل لوقا (7)، ويذكر مشهد الفتى الذي “حمل السرير على عنقه” في المصادر الإسلامية بالمُقعد الذي قام وحمل سريره في إنجيل متى (9)، والمُقعد الذي “حمل ما كان مضطجعاً عليه” في إنجيل مرقص (7). وتبدو قصة ابنة العازر التي أحياها عيسى في مجلس الثعلبي قريبة من قصة ابنة يائيرس التي أقامها يسوع في إنجيل مرقص (5)، وكانت في الثانية عشرة من عمرها حين فتك بها المرض، فجاءها يسوع وأخذ بيدها وقال لها “يا صبية قومي”، فقامت وأخذت تمشي.
 
كرب الموت
تبدو قصة إحياء سام بن نوح غائبة عن الإنجيل، وقد استعادها الرواة المسلمون في الكثير من المؤلفات، يوردها ابن الأثير بإيجاز في “الكامل في التاريخ”، وينقلها ابن الجوزي في سرد إنشائي بليغ في “المنتظم في التاريخ”، جاعلا منها آية عيسى الكبرى، وفقاً لهذه الرواية، سأل بنو إسرائيل عيسى أن يبعث لهم من الآخرة سام بن نوح الذي مات “منذ كذا وكذا ألف سنة”.
 
سار عيسى مع سائليه إلى الموقع الذي  دُفن فيه الميت منذ آلاف السنين، وصلّى ركعتين وقال: “يا رب إنهم سألوني ما قد علمت فابعث لي سام بن نوح”، ثم توجه بكلامه إلى الراقد تحت الثرى وقال: “يا سام بن نوح قُم بإذن الله”، وردّد نداءه هذا ثانية وثالثة، فانشقّت الأرض وخرج ابن نوح وهو ينفض التراب عن رأسه ويقول: “لبيك يا رسول الله وكلمته ها أنا ذا قد جئتك”. ثم توجّه بكلامه إلى بني إسرائيل وقال لهم: “هذا عيسى بن مريم ابن العذراء المباركة روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم فآمِنوا به واتبعوه”.
 
وعاد وخاطب عيسى وقال له: “يا روح الله إنك لما دعوتني، جمع الله مفاصلي وعظامي ثم سواني خلقا، فلما دعوتني الثانية رجعت إلي روحي، فلما دعوتني الثالثة خفت أن تكون القيامة، فشاب رأسي وأتاني ملَك فقال: هذا عيسى يدعوك لتصدق مقالته. يا روح الله سل ربك أن يردني إلى الآخرة فلا حاجة لي في الدنيا”. وشدّد ابن نوح على طلبه هذا وقال لابن مريم: “يا عيسى أكره كرب الموت، ما ذاق الذائقون مثله”. فاستجاب نبي الله طلبه ودعا ربه فاستوت الأرض على ابن نوح وقبضه الله إليه من جديد. 
 
نجد في التراث الديني الإسلامي حالات إحياء أخرى اجترحها عيسى “بإذن الله”، ومنها قصة إحياء النبي عزيز، وقد ذكرها ابن الأثير بشكل موجز في تاريخه، وفيها قال بنو إسرائيل لعيسى: “أحْيِ لنا عزيراً وإلا أحرقناك”. فدعا ابن مريم الله وعاش عزيز. فقالوا: “ما تشهد لهذا الرجل؟”. قال: “أشهد أنه عبد الله ورسوله”. ينقل النويري هذه الرواية عن الكسائي ويسجّلها في قالب غني بالتفاصيل يهب الحدث دلالات جديدة. نقرأ في “نهاية الأرب في فنون الأدب”: “سأل بنو إسرائيل عيسى أن يحيي لهم عزيراً، فقال: التمسوا قبره فالتمسوه، فوجدوه في صندوق من حجر، فعالجوه ليفتحوا بابه فلم يستطيعوا ذلك. فرجعوا إلى عيسى وأخبروه أنهم عجزوا أن يخرجوه من قبره، فأعطاهم ماء في إناء وقال: إنضحوه بهذا الماء فإنه ينفتح. فانطلقوا ونضحوه بالماء فانفتح طابقه. فأقامه عيسى في أكفانه فنزعها عنه، ثم جعل ينضح جسده بالماء ولحمه ينبت وشعره وهم ينظرون. ثم قال عيسى: يا عزير، احي بإذن الله. فإذا هو جالس. فقالوا: ما شهادتك على هذا الرجل؟ فقال عزير: أشهد أنه روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وأنه عبد الله ونبيه وابن أمته. قالوا: يا عيسى، ادع ربك يحييه لنا، فيكون بين أظهرنا. فقال عيسى: ردوه إلى قبره فإنه انقطع رزقه وانقضى أجله. فردوه إلى قبره”.
 
تأتي هذه الرواية في “نهاية الأرب” بعد ذكر واقعة طريفة يحيي فيها عيسى نفسَين. بحسب رواية النويري، كان عيسى يمرّ برجل يدمن الجلوس عند قبر في المقبرة، فقال له مرة: “يا عبد الله، أراك تكثر القعود على هذا القبر”. فأجابه الرجل: “يا روح الله، امرأة كانت لي وكان من جمالها وموافقتها كيت وكيت، ولي عندها وديعة”. توضّأ عيسى وصلّى ركعتين، فإذا بكائن أسوَد يخرج من قبره كأنه جذع محترق، فسأله ابن مريم: “ما أنت؟” فقال: “يا رسول الله أنا في عذاب منذ أربعمائة سنة، فلما كانت هذه الساعة قيل لي أجب فأجبت. قد مر عليّ من أليم العذاب ما إن ردني الله إلى الدنيا أعطيته عهداً ألا أعصيه، فادع الله لي”. رقّ عيسى لحال الرجل ودعا الله، ثم قال له أن يمضي، فمضى. ينبري هنا الرجل الذي أدمن الجلوس عند قبر زوجته ويقول لعيسى: “يا رسول الله، لقد غلطت بالقبر، إنما قبرها هذا”. يدعو عيسى ربه من جديد، وتخرج من القبر امرأة شابة جميلة سرعان ما يأخذها زوجها بيدها ويمضي معها ليستريح إلى جانبها تحت شجرة مورقة.
 
ومر بهذه الشجرة ابن ملك، فنظر إلى المرأة ونظرت إليه، وأعجب بها وأشار إليها، فتركت زوجها نائماً وتبعته. استيقظ الزوج وراح يبحث عن رفيقته، حتى وجدها وقال: امرأتي، فقال ابن الأمير: جاريتي. ومر بهم عيسى فقال للمرأة: “ردي علينا ما أعطيناك”. فسقطت ميتة. وقال عيسى: “هل رأيتم رجلاً أماته الله كافراً ثم بعثه فآمن! وهل رأيتم امرأة أماتها الله مؤمنة ثم أحياها فكفرت!”.
رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مؤسسة وجريدة سفراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.