أحمد محمود العش يكتب:”خدعوك فقالوا:الطبقة الوسطى “

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 11 مايو 2017 - 2:44 مساءً
أحمد محمود العش يكتب:”خدعوك فقالوا:الطبقة الوسطى “

على أوتار تخدير الشعوب الغافلة المستغفلة ، عزف المطبلون المبطلون بكلمات خادعة ماكرة ، فأضلوا الناس ضلالا مبينا فى المدر والوبر ، وقد لعبت الاصطلاحات التى صاغها كبار الساسة ذوى النزعة الاستبدادية ، قديما وحديثا دورا أثيما فى تقويض التنمية البشرية اعاقة وتدميرا ، وعلى امتداد خط الزمن قامت النظم السياسية ذات الأيديولوجية الاستبدادية ، بتوظيف الأجهزة الاعلامية بالانابة عنها للتنفيس والتنفيذ لمضامين سياستها ، ففى التاريخ المعاصر ابان الحرب الأهلية الاسبانية ( 1936 – 1939 ) تبلور المصطلح الشهير الطابور الخامس ، وفى حقبة الثلاثينات أيضا عبرت الدولة الهتلرية عن شعار سياستها المارقة فى عبارات خاطفة ، أطلقها جوزيف جوبلز وزير الدعاية السياسية ووزير اعلام ألمانيا وقتئذ ، منها قوله ( أعطنى اعلاما بلا ضمير أعطيك شعبا بلا وعى ) ( كلما كبرت الكذبة كلما كبر تصديقها ) ويأخذنى غمار السياق الى الوراء طويلا ، حيث القرن الثالث عشر الميلادى ، وتحديدا عام 1215 م ، اذ وقع حدثا جللا فى انجلترا ، كان له من الآثار السيئة على الأصعدة السياسية والاجتماعية والقانونية ، فى مثل هذا العام تبلورت ( الماجنا كارتا ) تلك الكلمة اللاتينية والتى يقابلها بالعربية الميثاق الأعظم ، هذا الميثاق يمكن اعتباره بداية صراع الطبقات فى كافة المجتمعات التى تخضع للقوانين الوضعية ، أرسى الدستور الانجليزى يومئذ ما يخول للبارونات أى النبلاء من الشعب الانجليزى حق الامتيازات المالية ، بالمقابل لم ينل باقى أفراد الشعب من الحقوق الا النزر اليسير ، هذه الوثيقة مثلما جعلت اطلاق اليد للنبلاء الانجليز ، فقد جعلت يد ملك انجلترا مغلولة الى عنقه ، ومع صراع طبقتين رئيسيتين هما النبلاء والأقنان ، ومع الزيادات المضطردة فى التعداد النسمى ، انتهج السياسيون الماكرون حيلة أخرى يخدرون بها الشعوب ، انها الطبقة الوسطى ، فمع بزوغ هذا الاسم فى المدارس السياسية والعلوم الاجتماعية والفلسفية ، تم اخماد دائرة الصراع الطبقى التى كانت بين فريقين فقط هما النبلاء والأقنان شكلا وليس ضمنا ، تطور مصطلح الطبقة الوسطى فى أنحاء بلدان كثيرة على اثر العديد من التحولات فى جوهر مجتمعاتها وتبنيها للمنهج االاشتراكى أو الرأسمالى ، كل حسب ما يرى ، لكنه لا يزال مصطلحا مطاطيا يراد به المخادعة والتسكين ، ثم كانت الفاجعة الكبرى لما تسلل هذا المصطلح الى الاطار الشرق أوسطى ، اذ جثم مصطلح الطبقة الوسطى على صدور الدساتير العربية الوضعية لنحو ثلاثة قرون متصلة ، انى لأرى وثاقة الارتباط بين وثيقة ماجنا كارتا التى أبرمها الدستور الانجليزى عام 1215م وبين سائر الدساتير المصرية على وجه الدقة ، منذ أول دستور مصرى فى عهد الخديوى توفيق عام 1882م الى آخر الدساتير التى أبرمت قبل ثلاثة أعوام ، ما بين الماجنا كارتا والدساتير المصرية علاقة شديدة التوافق ، فى مؤشر شديد الوضوح ، بتآلف البناء الطبقى هنا وهناك من عمودين اثنين لا ثالث لهما ، أثرياء وفقراء ، ولا وجود مطلقا لطبقة اسمها وسطى ، ومن حماقة التوصيف ، ما دأبت عليه الأنظمة الحاكمة فى مصر منذ المشرع الوضعى الأول محمد على باشا ، فكل من جاء بعده حذا حذوه فى التقليد والمحاكاة والمخادعة ، لم تسفر كل الأنظمة الحاكمة فى مصر ، الا عن استخراج فئتين رئيسيتين فقط يمثلان القوام الفعلى للمجتمع المصرى ، فريق فى القمة وآخر فى القاع ، وكأنه منهج مدروس مدرس فى الخلفيات التى أدارت الدفة الحاكمة فى مصر منذ محمد على وحتى اليوم ، حتى التجربة الناصرية التى فتن بها الكثير ، لم تستخرج الا اطارا قشريا للطبقة الوسطى فيما وقع جوهرها بين فرائص الديكتاتورية المطلقة ، وفى الحقبتين الساداتية والمباركية ، كثر القول عن الطبقة الوسطى التى لم تجد مثقال ذرة لمجرد وجودها ، ففى العصر الساداتى فتح الباب على مصراعيه فصار المجتمع مرتعا من أجل حيازة الثروة والسلطة ، فنجم عن ذلك بنيانا اجتماعيا غير متكافىء بين أغنياء فى القمة وفقراء فى القاع ، وفى العصر المباركى تعاظمت البيروقراطية والمركزية ، فقسمت الدولة الى نفس الفريقين السابقين ، ولا يختلف الحال الراهن عما سبقه ، ولكن ان شئت فقل أن اتساع الهوة الاجتماعية صار مثل ما بين السماء والأرض ، فريق منعم وآخر فقير معدم ( هل توجد فى مصر طبقة وسطى ؟ وان كانت بالفعل فما دلالة وجودها ؟

أحمد محمود العش

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مؤسسة وجريدة سفراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.